في الواقع كل ما أملكه عن هذا الموضوع
هو معاشرة طويلة الأمد مع سدة الكتابة؛ والبعض من فتور القراءة؛ على ما يبدو أنني
أعاني من متلازمة السدة الكتابية بحيث تلازمني السدة معظم الأوقات، وتراودني
الكتابة في مواضع قلة، الأمر الذي يجعلني أشعر وكأنني أقف في منتصف العالم غير
قادرة على تحريك أطرافي.
دومًا ما أتسائل كيف يمكن للمرء معايشة
ذلك الواقع المرير الممتلئ بالقلق دون قدرة على الكتابة، أرى الكتابة هي المنقذ
الوحيد في هذا العالم، على الأقل بالنسبة لي، لكنها كعادة الأشياء جميعها.. تهرب.
"رأسي مفعم بالأفكار.. لكني عاجز عن
كتابة سطر واحد"
هكذا توصف السدة الكتابية في بشكل واضح ومحدد، لكن ما أصابني منها كان بعدة أشكال أخرى، مثلًا أحيانًا أعجز تمامً عن تفسير الأفكار التي تحلق داخل رأسي، أكون غير قادرة على التفكير، وأحيان أخرى لا أستطيع صياغة الكلمات التي أود كتابتها، وكثيرًا ما يلاصقني القلق، القلق غير الملحوظ للآخرين، فقط يعبث بي فحسب، لكنه أحيانًا كثيرة يظهر جليًا للناس جميعًا، أحيانًا أقول لنفسي: لربما لو انتهى القلق يومًا لتلاشت الكتابة من داخلي! لا أعلم تحديدًا مدى العلاقة بين الكتابة والقلق ولكنني أفضل البقاء بقلقي هذا ما دمت سأظل قادرة على الكتابة.
ذات مرة اقترح عليّ صديق، لكي أتخلص من
ذلك الفتور الشبه متواصل تجاه الكتابة، أن أخصص مدة محددة يومًا أكتب بها أي شيء
ولو كانت عدة كلمات غير مفهومة، ذاكرًا في هامش الحديث أنه قد قرأ مسبقًا أن نجيب
محفوظ بذاته كان يخصص ساعة يوميًا -إن لم تخُنني الذاكرة- للكتابة فيها، وأنه
أيضًا كان يصاب بسدة كتابية، وأن ذلك الموضوع هو ظاهرة طبيعية جدًا. واعترف أن في
تلك الفترة قلّت نوبات القلق التي تنتابني، لكنني بعد بضعة أيام لم أستطع كتابة
حرف آخر، وكأنني فقدت الكلمات كلها، وكأن العالم يُصرّ بشدة على إلصاق المعاناة
بي، يسرق منيّ كل ملذاتي، ويقتل داخلي نفحة الفن التي أقاوم بها الحياة.
دومًا ما أتخيل أنه لولا الفن لتحول
العالم لخرابة جماعية، مستنقع ضخم خالي من كل معاني الحياة، وجدت أنه كل المآسي
على مدى التاريخ، رغم أن الفن وثّقها بصورتها السوداوية؛ إلا أنها عاشت تمثل لنا
قيم بارعة؛ مثلًا أغاني التراث التي باتت تُسمع إلى الآن بكل شغف وانبهار، وثّقت
مأساة البشر في صورة ألحان وكلمات ومشاهد تمثيلية، كانت برمتها قادرة على إنقاذ
المرء من مهالكه.
وضع الفن المعاناة في قوالب جمالية،
جعل من العالم مكان أكثر احتمالًا، الفن الذي يجعلك لا تقدر على إطباق شفتاك من
فرط الدهشة والعجب، أن تجتمع مجرد كلمات مع بعض الموسيقى، أو مشهد تمثيلي فيتجسد
هذا كله في صورة مادة قادرة على إحداث هياج في تدفق هرمون السعادة داخلك وكأنك
تسافر عبر الأزمنة، أرى في نظري أن تلك هي جُل معاني الفن، وأصدقها، بل أنني لن
أتوقف عن تصديق أن للفن قدرة رهيبة على إنقاذ العالم بأرواحه، ورغم كل فترات
المعاناة دون الكتابة، والمعاناة الأكبر في وجودها؛ إلا أنني لن أتوقف عن التمني،
فقط أتمنى لو ألا أتوقف عن الكتابة.. ولو تفاقمت المعاناة.