«إسراء رضا» طبيبة اتخذت من الشعر ملاذًا لها: الكتابة تستهويني.. والشعر والتدريس لا يتضادان

 


كتب: محمود صبري

 

«العلم جعل عقلي أكثر وعيًا، والشعر أضفى على روحي رهافة الحس» بهذه الكلمات استهلت إسراء رضا حديثها مع «إعرف».

 

تعود «إسراء» بذاكراتها منذُ أن كانت طفلة في ريعان صباها، حين همست في داخلها «سأكون في المستقبل شاعرة كبيرة ذات حضور ولما لا وأنا التي أستشعر معانِ الكلمات وتسكن قلبي».

 

بعد أعوام من هذا الحديث مع النفس أصبحت إسراء شاعرة -تحظ بآلالاف المتابعين والمشاهدات على مختلف صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي- تستعد لإطلاق أولى دواوينها الشعرية بعنوان «لازم أعيش» خلال فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2026.

 

تقول لـ«إعرف»: «ها قد أضحى حلمي حقيقة».

 

بعدما سلكت «إسراء» درب الشعراء بتوالي السنين بات الشعر ملاذها في الحياة رفقة تخصصها الأكاديمي؛ بتعيينها معيدة في إحدى كليات الطب البيطري وتحديدًا بجامعة بنها، إذ تمكنت برهافة فكرها التوفيق بين الصرامة العلمية وصفاء الحس الشعري؛ فالعِلْم منحها الانضباط والدقّة، والشعر أصقلها بالخيال والقدرة على رؤية التفاصيل الصغيرة؛ لتصنع لنفسها مساحة خاصة لا تشبه إلا تجربتها.

 

فبين حيز رحب تحكمه المعامل، وآخر رحب تسكنه المترادفات والإحساس، تخطو الشاعرة والطبيبة البيطرية الأكاديمية «إسراء رضا» على خيط رفيع من التوازن، دون أن تسقط في فخ التناقض، ففى الشعر تكتب كتابة نقية تلامس الوجدان -على حد وصفها- وتتعلق بذاكرة مُتابعيها؛ لقدرتها على انتقاء مفردات سلسة تشتبك بالواقع وتعكسه بصدق كلماتها المُحلاة بالأسلوب المتفرد في القص.

 

أما في المجال البيطري والتي سارت بين طرقاته من خلال السلك الأكاديمي والتي تجاهد بأن تضفي بصمتها عليه بوصفها لـ«إعرف» بأن: «الإيمان الحقيقي بأن يقرر كل منا بألا يكون "حاجة واحدة وحسب"؛ فالنجاح ليس في اختيار طريق واحد وكفى، بل النجاح الحقيقي يكمن في القدرة على السير على طريقين دون أن يغلب إحداه على الآخر"».

 

وُلدت إسراء مع نهاية تسعينيات القرن الماضي، في كنف أسرة مصرية بسيطة حالها حال غالبية الشعب المصري، إذ نشأت على حب والدها للتاريخ والشعر، وعلى اكتشاف والدتها لموهبتها الشعرية والإيمان بها، فتقول: «أكن بكل الامتنان لنشأتى البسيطة التي جعلتني أتذوق الكلمة، وأتعارك مع إحساس الوحدة بالكلمة، فالإنسان حينما لا يجد أمامه آذان صاغية هنا يتحتم عليه بأن بجد لذاته صوت يُخرجه من كبوته ويعزز صحوته».

 

فى أول حوار لها عقب إعلانها المشاركة بديوان «لازم أعيش» خلال ماراثون معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته المقبلة، تتحدث إسراء رضا -والتي تصنف ثلاثيتها (قانون العزلة، العرافة، طرف ثالث) على كونهم ليسوا مجرد نصوص كتبتهم وحسب بل مراحل من حياتها لم يتثنى لها الحديث عنها سوى بالإلقاء الشعري- لـ«إعرف»، عن عاداتها مع الكتابة وموعد تحويل خيالها إلى كلمات تُروى، وعن مثلها الأعلى في الشعر، ورأيها حول ظاهرة الازدواج اللغوي، وكيف اتخذت قرارها بتدوين قصائدها ورقيًا. جرت المقابلة عن بُعد، وهيا لنتعرف عليها عن قرب.

 

«أكتب عندما أتأثر.. الكتابة حالة وليست موعد.. وقدوتي كُثر.. والعامية تشغلني»

 

ما دامت تتأثر، تستطيع إسراء رضا أن تفحم أوراقها بسطورها.

 

لا تتفق «إسراء» مع اعتقاد الكاتب الأمريكى إرنست همنجواى بأن: «أفضل كتابة هى التى تأتيك وأنت فى حالة حُب».

 

«الكتابة والشعر تحديدًا تحكمه الحالة باختلاف أشكالها وليس الموعد»، تقول إسراء لـ«إعرف»: «قرار كتابة الشعر وإلقاؤه بالنسبة لي لا يُتخذ وليد اللحظة، بل ينتُج عن فيض واسع من تراكم الآلام والمواقف التي يمر كل منا بلذتها ومرارتها؛ فأحولها إلى سطور تُعبر عن حالي».

 

لكن هل واجهتِ في رحلتك مع الشعر بما يُعرف بقفلة الكتابة؟

 

- بكل تأكيد.. قفلة الكتابة جزء من الرحلة، ففي لحظات كثيرة كتبت في مُخيلتي ولم أتمكن من نقل الخيال على الورق، لكنني عمرى ما اعتبرتُ هذا فشلًا، بل استراحة روحية؛ فالكتابة أشبه بمولود يخرج للحياة فى الوقت المقدر حتى ولو بعد عناء وشقاء أثناء مرحلة حمله فى طيات الروح.

 

استكمالًا لحديثك، فمن قدوتك في الشعر العامي المعاصر، ولمن تستمعين؟

 

- قدوتي هم كبار العامية الشعرية في مصر مثل: الخال عبدالرحمن الأبنودى، صلاح جاهين، وأحمد فؤاد نجم.

 

ومن أصدقاؤك في مجال الكتابة؟

 

- لي أصدقاء ليسو بالكثيرين في الوسط، ويمكن أكثرهم قربًا لروحي هم الشباب الذين تمكنوا من ترك بصمة قوية فى سن صغير؛ مما يمدُ بالأمل لكل ذي حلم يسعى لتحقيقه بأن الأحلام ممكنة.

 

ولمن تقرأين؟

 

- أقرأ لكل شخص لديه القدرة الفكرية على إجباري رفع رأسي من الصفحة؛ لأتنفس، والحديث هنا عن: محمد إبراهيم، محمود درويش، أحمد فؤاد حداد، ونجيب سرور. كما أنني أواظب على متابعة الشعراء الجدد؛ كون سطورهم تتحلى بالصدق ولا تُمحى.

 

أما عن تفضيلها الكتابة بالعامية في الشعر– توضح: «اخترتُ العامية؛ لأنها “اللغة الأقرب لقلوب الناس البسيطة"».

 

تضيف: «أؤمن أن الشعر الحقيقي لا يُحاط بضوابط الوزن والقافية فحسب، لكن في قدرته على إحداث شعور خاص في داخلك؛ بملامسته جوارحك».

 

لهذا كله، «أحاول المزج في شعري بين السرد والخاطرة والإيقاع؛ فالكلمة لو سُجنت في قالب معين تفقد روحها، فلا أُجزم في تصنيف شعري، بل أترك للقارئ المجال لتسميته بما يروق له»، تؤكد لـ«إعرف».

 

«الازدواج اللغوي لا يُعد تعديًا على لغة الضاد.. والخوف يقتُل الإبداع»

 

لا تعتقد «إسراء» بأن ظاهرة التضفير بين العامية والفصحى تُضرُ بالعربية بل «تُجددها وتخلق روحًا مُختلِفة».

 

تشرح لـ«إعرف»: «الفصحى والعامية ليسوا خصمين لبعضهما؛ فالفصحى تمثل الأم، والعامية هي الابنة التي خرجت للحياة».

 

تضيف: «الازدواج اللغوي -من وجهة نظري- ظاهرة صحية طالما تحترم الجذور ولا تتعداها».

 

بمعنى؟

 

- بمعنى أن اللغة إن لم تتنفس؛ ستفنى، وإن ظلت متحجرة؛ فحتمًا؛ ستنكسر.

 

في حضور «إسراء» الأكاديمي يمكننا رؤية عنصري الانضباط والدقة، أما في أدائها الشعري؛ فنكتشف قدرة لافتة على تحويل النص إلى حالة شعورية كاملة، إذ أنها تَنفي أن التعقيد النقدي والدراسة العلمية يخنقان الإبداع، وتشير: «الدراسة لا تقتل الإبداع؛ فالإبداع يُقتل عندما يهب الفنان ضريبة التجربة».

 

تضيف: «العلم يساعدنا على الفهم، والإبداع يساعدنا نصدق أنفسنا، فأنا أؤمن أن كلاهما لا يتضدان؛ فالفن بلا وعي يُصبح هشًا، والوعي بلا فن يكون جافًا».

 

«ديوان لازم أعيش خطوة طالما حلمت بها.. وكتابة الروايات لم يحن موعدها بعد»

 

تستعد «إسراء» للمضي قدمًا نحو رؤية أولى تجاربها الشعرية المكتوبة تُزين أرفف قاعة 2 جناح C8 بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57؛ بإطلاقها ديوان «لازم أعيش».

 


وعن هذه الخطوة، تقول: «أطمح في أن أوفق في تجربتي الأولى هذه، وأن ينل ديواني استحسان القراء»

 

وتختتم «إسراء» حديثها لـ«إعرف» بالتعقيب عن سبب عدم سيرها في درب الكتابات الروائية، وتوضح: «لا أتعجل في خطوة الرواية، أُلملم أفكاري أولًا؛ فالرواية تحتاج إلى وقت أطول وحياة أعرض وشخصيات أكثر عمقًا وعددًا؛ والخطوة قادمة لا محالة بإذن الله».

Post a Comment

أحدث أقدم